نورالدين علي بن أحمد السمهودي
143
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
نادي قومه إذ خرجت أخته فضلا ، فنظر إليها أهل المجلس ، فشق ذلك على مالك ، ودخل فعنّفها وأنبها ، فقالت : ما يصنع بي غدا أعظم من ذلك ، أهدى إلى غير زوجي ، فلما أمسى مالك اشتمل على السيف ودخل على الفطيون متنكرا مع النساء ، فلما خف من عنده عدا عليه فقتله وانصرف إلى دار قومه ، ثم بعث هو وجماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم بحالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود ، وكان رسولهم الرمق بن زيد بن امرئ القيس أحد بني سالم بن عوف بن الخزرج ، وكان قبيحا دميما شاعرا بليغا ، فمضى حتى قدم على أبي جبيلة أحد بني جشم بن الخزرج الذين ساروا من يثرب إلى الشام ، وقال بعضهم : كان أبو جبيلة من ولد جفنة بن عمرو بن عامر قد أصاب ملكا بالشام وشرفا . قلت : قد تقدم أن أبناء جفنة من غسان ، وكانوا بالشام ملوكا . ولما ذكر ابن حزم بني جشم بن الخزرج قال : فولد جشم غضب ، فولد غضب مالك ، فولد مالك عبد حارثة ، فولد عبد حارثة حبيب ، فولد حبيب عبد الله ، فولد عبد الله أبا جبيلة الملك الغساني الذي جلبه مالك بن العجلان لقتل اليهود ، انتهى . وفيه نظر ؛ إذ ليس من بطون الخزرج غساني كما يؤخذ مما قدمناه عن ابن حزم أيضا ، والمشهور ما قدمناه ، قالوا : فشكا إليه حالهم وغلبة اليهود عليهم ، وما يتخوفون منهم ، وأنهم يخشون أن يخرجوهم ، وأنشده من شعره . فتعجب من شعره وبلاغته وقبحه ودمامته ، وقال : عسل طيب في وعاء خبيث . فقال الرمق : أيها الملك ، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه . فقال : صدقت ؛ وأقبل أبو جبيلة في جمع كثير لنصرة الأوس والخزرج . كذا قاله ابن زبالة . وقد نقل رزين عن الشرقي ما يقتضي أن مالك بن العجلان هو الذي توجّه بنفسه ، وأن ما ذكر من سيرة الفطيون في افتضاض الأبكار إنما كانت في غير الأوس والخزرج ، وأنه أراد أن يسير فيهم بذلك ، فقتله مالك بن العجلان ، فإنه قال : إن الفطيون كان قد شرط ألّا تدخل امرأة على زوجها حتى تدخل عليه ، فلما سكن الأوس والخزرج المدينة أراد أن يسير فيهم بتلك السيرة ؛ فتزوجت أخت مالك بن العجلان رجلا من بني سليم ، فأرسل الفطيون رسولا في ذلك وكان مالك أخوها غائبا ، فخرجت تطلبه ، فمرت بقوم أخوها فيهم ، فنادته ، فقال أخوها : لقد جئت بسبّة يا هنتاه ، تناديني ولا تستحيي ؟ فقالت : الذي يراد بي أكبر ، فأخبرته ، فقال لها : أكفيك ذلك ، فقالت : وكيف ؟ فقال : أتزيا بزي النساء وأدخل معك عليه بالسيف فأقتله ، ففعل ، ثم خرج حتى قدم الشام فنزل على أبي